ابن العربي
870
أحكام القرآن
إلى الأمصار ، وقاتل على الحق ، وقدم عليهم غير خير الخلق الصدّيق ؛ فمهد الدين ، واستتبّ به أمر المسلمين ، والحمد للّه رب العالمين . المسألة الثالثة - قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ : وهذه الوصية هي العمدة التي يكون معها النصر ، ويظهر بها الحق ، ويسلم معها القلب ، وتستمرّ معها على الاستقامة الجوارح ؛ وذلك بأن يكون عمل المرء كله بالطاعة في امتثال الأمر واجتناب النهى ، فإنما يقاتل المسلمون بأعمالهم لا بأعدادهم ، وباعتقادهم لا بإمدادهم ؛ فلقد فتح اللّه الفتوح على قوم كانت حلية سيوفهم إلا الغلابي « 1 » . ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : إنما تنصرون بضعفائكم . إشارة إلى أنّ الطاقة في الطاعة ، والمنة في الهداية . المسألة الرابعة - قوله : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا : وهذا أصل عظيم في المعقول والمشروع ؛ وذلك أنّ اللّه خلق القوة ليظهر بها الأفعال ، وقدرته سبحانه واحدة تعمّ المقدورات ، وقدر الخلق حادثة متعددة تتعلق بالمقدورات على اختلاف أنواعها ، [ وأجرى اللّه ] « 2 » العادة بأن القدر إذا كثرت على رأى قوم أو بقيت على رأى آخرين - والأوّل أصحّ حسبما بيناه في الأصول - ظهر المقدور بالنسبة إلى القدرة إن كان كثيرا فكثيرا أو قليلا فقليلا ، وكذلك تظهر المفعولات بحسب ما يلقى اللّه في القلوب من الطمأنينة ، فإذا ائتلفت القلوب على الأمر استتبّ وجوده ، واستمر مريره وإذا تخلخل القلب قصر عن النظر ، وضعفت الحواس عن القبول ، والائتلاف طمأنينة للنفس ، وقوة للقلب ، والاختلاف إضعاف له ؛ فتضعف الحواس ، فتقعد عن المطلوب ، فيفوت الغرض ؛ وذلك قوله : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ، وكنى بالريح عن اطراد الأمر ومضائه بحكم استمرار القوة فيه والعزيمة عليه ، وأتبع ذلك بالأمر بالصبر الذي يبلغ العبد به إلى كل أمر متعذر بوعده الصادق في أنه مع الصابرين . الآية الرابعة عشرة - قوله « 3 » : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فيها مسألتان :
--> ( 1 ) هكذا بالأصول . ( 2 ) من ل . ( 3 ) الآية : 57